محمد بن وليد الطرطوشي

182

سراج الملوك

الباب السادس عشر في ملاك أمور السلطان قال سليمان بن داود عليهما السلام : الرحمة والعدل يحرزان الملك « 1 » . وقال زياد « 2 » : ملاك السلطان ثلاثة أشياء : الشّدّة على المذنب ، والمجازاة للمحسن ، وصدق القول . ولما غزا سابور ذو الأكتاف « 3 » ، ملك الروم ، وأخرب بلاده ، وقتل جنده ، وأفنى بطارقته « 4 » ، قال له ملك الروم : إنك قد قتلت وأخربت ، فأخبرني ما الأمر الذي تشبّثت به ، حتى قويت على ما أرى ، وبلغت في السياسة ما لم يبلغه ملك ؟ فإن كان ممن يضبط الأمر بمثله ، أدّيت إليك الخراج ، وصرت كبعض الرّعية في الطاعة لك . فقال له سابور : إني لم أزد في السياسة على ثمان خصال : لم أهزل في أمر ولا نهى ، ولم أخلف في وعد ولا وعيد ، وولّيت أهل الكفاية ، وأثبت على العناء لا على الهوى ، وضربت للأدب لا للغضب ، وأودعت قلوب الرعية المحبة من غير جرأة ، والهيبة من غير ضغينة ، وعممت بالقوت ، ومنعت الفضول « 5 » . فأذعن له وأدى الخراج . وكتب الوليد إلى الحجاج « 6 » ، أن يكتب له بسيرته ، فكتب إليه : إني أيقظت رأيي وأنمت هواي ، وأدنيت السيّد المطاع في قومه ، وولّيت في

--> ( 1 ) أي يصونانه . ( 2 ) زياد بن أبيه : أمير من القادة الفاتحين ، كأن يكتنف الغموض نسبه ، ألحقه معاوية بن أبي سفيان بنسبه وولاه الكوفة والبصرة ، واشتهر بشدته وحسن ادارته ، توفى سنة 53 ه ( الأعلام 3 / 53 ) . ( 3 ) سابور ذو الأكتاف : هو شابور أو سابور الثاني ، حيث أن هذا الاسم حمله ثلاثة من ملوك الفرس ، والثاني لقب بذى الأكتاف ، قيل لأنه أمر بفك أكتاف الأسرى ، وهو الذي حمى الديانة المزدكية وحارب البيزنطيين واضطهد المسيحيين ، مات سنة 379 م ( المعارف لابن قتيبة ص 656 . ( 4 ) البطارقة : مفردها البطريق ، وهو القائد من قوّاد الروم ، أما البطاركة ( بالكاف ) : فهم الأساقفة في طائفة من الطوائف المسيحية أو على أقطار معينة . ( 5 ) عمّت : شملت ، والفضول : الزيادة . ( 6 ) أي كتب « الوليد بن عبد الملك الخليفة الأموي إلى عامله على العراق الحجاج بن يوسف الثقفي » وقد سبق التعريف بهما .